الثورة السورية…ثورة تجديد شاملة

حسان قاسه

“الثورة الوحيدة التي ستغير أي شيء هي قوة الإدراك ونفاذ البصيرة”

               بين ثنايا تلك الكلمات التي خطها الكاتب الإنكليزي (David Icke) وأيام قد مضت على ذكرى انتفاضة السوريين، كان لا بد من وقفة، ومراجعة ذاتية داخلية، لحقيقة وطبيعة ثورتنا، أين وصلت، وكيف تمضي، وهل أدركنا بعد أم لم نفعل نوع التحديات التي نواجهها  وتستوجب منا اصطفافاً وتراصاً يرقى لحجم تضحياتنا على مر عشرة أعوام؟!

               إذا ألقينا قطعة نقدية في لعبة ما فنحن أمام حالتين بلا شك، ولكننا هنا أمام حالة وحيدة، ويمكن أن نعتبرها ثابتة، فعندما نقوم باختيار عينة من البشر في فترة زمنية ما، وضمن بقعة جغرافية، نلاحظ وجود مجموعة من التحديات التي تواجههم: سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وفكرية، وثقافية…، وتفرض عليهم بالمقابل استجابة ما تأخذ أشكالاً مختلفة تتمثل في: أفكار، وآراء، ومقترحات، وحلول؛ تختلف من إنسان لآخر تبعاً لمجموعة من العوامل منها: ما هو ذاتي يرتبط بالشخص نفسه، ومنها ما يعود لطبيعة البيئة المحيطة، والتنشئة، والثقافة العامة؛ وتكون الاستجابة في إطارها العام: إما قبولاً بالواقع ورضاً به دون أي محاولة لتغييره، أو رفضاً له لأنه لا يُحتمل مع الهروب لأن إصلاحه من المحال، أو رفضاً له ومحاولة جادة لإيجاد حلول تجعله أفضل.

               أمام الحالة الأخيرة، نقف قليلاً لنشير إلى أن كيفية المعالجة هنا تختلف أيضاً تبعاً لاختلاف الأشخاص، وللعوامل السابقة نفسها ولربما تشاركها مجموعة عوامل إضافية، وبالتالي تنطلق الشريحة التي قررت التغيير والمواجهة باحثة عن المشتركات فيما بين أفرادها لتلتف حولها، وتبدأ عملية بناء الأفكار وتبني الآراء ، وتولد تيارات فكرية مختلفة لكل منها معتقداتها ومنطلقاتها، وتنشأ حالة من الصراع قد تأخذ شكل التنافس فقط، وقد تصل إلى درجة ممارسة العنف، وإن هذا وذاك يرتبط بنوع وحجم الثقافة التي تملكها الأطراف وطبيعة التحدي وأهميته.

               خلف أنماط التحديات المختلفة يلعب التحدي السياسي دوراً رئيساً في تأثيره على الجوانب المختلفة للحياة العامة، وإلى جانب معرفتنا المسبقة بأن البرامج السياسية للجماعات تركز على قضية السلطة سواء بالاستيلاء عليها لمباشرة الحكم، أو محاولة التأثير فيها لصالح الجماهير، أو عدد من الفئات، أو الجماعة نفسها؛ نجد مجموعة من التيارات تختلف في قراءتها للمشهد السياسي لدرجة قد تخلق حالة من التشويش الذهني للمتابع، ولا سيما تلك التيارات، والأحزاب، والجماعات التي تشكلت في مرحلة سابقة لمرحلتنا، وما زالت انعكاساتها واضحة ملموسة اليوم؛ وتبدأ حينئذٍ مجموعة من الأسئلة تدور في الأذهان عن أفضل هذه التوجهات وأيها يناسب واقعنا؛ لكن تركيزنا ينبغي أن ينصب على الفترة التي تصل فيها الجماعات لمرحلة لم يعد ينفع معها تكرار الحلول القديمة ذاتها للمشكلات الجديدة، حتى وإن نجحت في الماضي من حيث التجربة، وصار لزاماً عليها لكي تستمر، أن تُولِّد حلولاً مبتكرة وواقعية، وإلا فهي على وشك أن تزول لتظهر أفكار جديدة، وتنشأ تيارات فكرية تتعاطى مع التحديات المتجددة بمنهجية مختلفة وأدوات أكثر فاعلية.

               بالنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، قد يحصل في بعض الأحيان أن الجماعات القائمة على اختلاف توجهاتها تصل لطريق مسدود بعد عدة محاولات فاشلة، ويتأزم الموقف ويصل إلى الانفجار، وتولد فرصة كبيرة للتغيير قد يصح أن نعبر عنها بمصطلح “ثورة” عندما تنطلق حركة شعبية هادفة لإحداث تغيير جزئي كالثورة الفرنسية عام 1789م التي قلبت نظام الحكم من ملكي إلى جمهوري، وقد يكون التغيير المقصود شاملاً تهدف من خلاله الثورة لقلع جذور كل قديم، وتغرس غرسة جديدة، وتبني بناء جديداً، غالباً ما تشيده سواعد فئة الشباب؛ أما الأجيال القديمة إلا ما ندر؛ فإنها مستمسكة بأفكارها، وآرائها، وأطروحاتها، وترفض أي محاولة للتغيير لأنهم يعتبرونها خلخلة للثوابت التي يؤمنون بها، أو تقليلاً من قيمة تجاربهم، أو عدم فهم وإلمام كافيين من الفئة الناشئة، مع أن ما مهد لظهورهم كبديل عن الجماعات العاملة في عصرهم هو فشل تلك الجماعات في وصولها إلى حلول عملية! وتبلغ المصيبة ذروتها عندما يرى صاحب توجه ما من يسير على غير خطاه -ولو بالأدوات فقط- فيعتبره من أتباع الطرف الآخر المخالف! وكأن العمل السياسي لا بد أن يبقى محصوراً بين تجارب مجموعة اتجاهات دون إمكانية قيام خط جديد للعمل.

               قد يبقي على المعاناة مستمرة، ويقودنا -عملياً- إلى المجهول إصرار البعض منا بعد مضي عقد على ثورة قدمت الغالي والنفيس أن ندور في فلك التجارب الماضية التي أثبتت فشلها، أو حتى نجاحها لكن لم تعد قادرة على الاستمرار، وتمسكنا بفكرة استنساخ تجارب ناجحة من دول مجاورة تختلف عنا اختلافاً قد يكون جذرياً؛ وبالتالي يكون مصيرها المحتوم أن تفشل، فضلاً عن أن تكون فاشلة أصلاً ونسعى لتكرارها!

               إن الوقت الراهن أنسب ما يكون لنفكر بطريقة مختلفة تماماً، ونستوعب ولادة آراء، ومنهجيات تفكير مختلفة، وتيارات سياسية غير تقليدية تجعلنا نمضي للأمام لنقدم نموذجاً راقياً من التشارك والتكامل حتى ولو كنا مختلفين، ولا نلتقي بمنطلقاتنا، ولا نملك أي مشتركات سوى أن الثورة على الطغيان، والفساد، والظلم هي الأصل الوحيد الذي نلتف حوله؛ فإن ذلك كاف لنا كسوريين لأن نعبر المرحلة الحالية إلى غد أفضل يضمن تحقيق أهدافنا، ومستقبل يسوده العيش المشترك، ووطن يحفظ هويتنا، وثوابتنا.