سوريا وفلسطين قضية واحدة…لا معركة واحدة!

حسان قاسه

من الطبيعي أن يقف الناس مع القضايا العادلة بداهة، فلا حاجة للتفكير في نصرة المظلوم، هكذا هم البشر بفطرتهم، وأي ازدواجية في المعايير تخالف تلك الطبيعة، لا تعدو أن تكون مجرد نفاق سياسي، أو مرض نفسي، أو أمر آخر…الخ، لا يهمنا توصيفه كثيراً. وعندما يكون الإنسان مناضلاً في سبيل الحق فإنه بلا شك سيندفع بكيانه لدعم ومساندة أية قضية تفعل الشيء ذاته.

 لا أكتب هذه الكلمات، لأذكر بديهيات يتفق الناس عليها، لكنني أريد أن ألفت الانتباه إلى المواقف “العاطفية” التي نسجلها تجاه القضايا المفصلية التي نعيشها، وليس تعبير “عاطفية” هنا انتقاصاً أو اتهاماً بغياب العقلانية، بل هو توصيف واقعي وطبيعي، فالبشر لا يفكرون بمعزل عن عواطفهم وأحاسيسهم، لكن مشاعرنا تلك قد تغلب علينا أحياناً فترهقنا وتشتتنا وتكلفنا ما نحن بغنىً عنه.

فقد نرى تحت اعتبارات مختلفة، شريحة من الناس تتماهى دوماً في تفاصيل قضية ما، كانت قد اتخذت قراراً مسبقاً بدعمها ومساندتها، لدرجة تبدو فيها “ملكية أكثر من المَلِكِ”، أو كأنما ليست لديها قضية أصلاً تتخذها أساساً ومنطلقاً في نصرة ودعم أي قضية مشابهة، فتبدأ سيلاً من التحليلات السياسية، والقراءات “المتعمقة”، والتأصيلات العقدية، والفتاوى الفقهية…تارة تحت مسمى الواقعية السياسية، ومراعاة ظروف المرحلة، وتارة أخرى باسم الإنسانية، أو العروبة، أو الأخوة الدينية…الخ

مع اندلاع الثورة السورية كحراك شعبي مدني خرج يطالب بالحرية والكرامة لكل السوريين بعد عقود من التسلط والاستبداد، وانتقالها مروراً بعدة مراحل إلى المواجهة العسكرية بين فصائل الثورة من جهة والنظام من جهة ثانية؛ برزت إيران كقوة رئيسة وداعم أساسي للميليشيات الطائفية المساندة للنظام في حربه على الشعب السوري، وكانت في الوقت ذاته الداعم الأول للفصائل المقاوِمة في فلسطين التي يدافع شعبها عن أرضه منذ عقود خشية أن تسلب لصالح إقامة دولة احتلال.

لا يسعنا أمام الأحداث الأخيرة في فلسطين، إلا أن نقف قليلاً لنؤكد أن الثورة السورية والقضية الفلسطينية كلاهما يقف في خندق الحق، لكن محاولات التوفيق والملائمة التي يحاول البعض تقديمها عند البحث في تفاصيل كل منهما، تدفع الناس دفعاً إلى تبني موقف سلبي إزاء قضية عادلة، وتكرس الانقسام بين أبناء القضية الواحدة في موقفهم من قضية أخرى!

إن القضايا  العادلة تشترك في أنها عادلة، تتضامن في مواجهة الظلم، وقد تختلف في تفاصيلها اختلافاً جذرياً، وبالتالي فإن أية محاولة لمناقشة تلك التفاصيل والنبش فيها ستكون محاولة عبثية وقراءة سطحية مهما ادعى صاحبها العمق، فلا يمكن أن نختزل قضية ما، بأبعادها الإنسانية، والتاريخية، والحضارية، والمعنوية، في مواقف سياسية لتيار ما، أو دعم عسكري ومالي تتلقاه جهة أخرى، أو بالمقارنة بين طبيعتي معركتين مختلفتين تماماً وعلى كافة الجوانب: أرضاً، وأطرافاً تخوض النزاع، وأهدافاً… والجزم بأنهما معركة واحدة تخوضها الأمة! لأن ذلك يستدعي وجود قيادة أشبه بتحالف ما بين كيانين سياسيين أو أكثر لإدارة معارك من هذا النوع؛ فحسبنا هنا أن نتضامن “شعبياً” بالمشترك بين القضايا، وأن ندعم بعضنا البعض من خلال تحركات وضغوطات تقودها الشعوب المؤمنة بوحدة القضية بعيداً عن الدخول في متاهات النزاعات والتفاهمات الدولية التي تخضع لها كل معركة بطبيعة الحال؛ لأن قضية كل منا عادلة ومحقة، وأن نبتعد عن الحفر بحثاً عن أوجه التشابه، فالحيثيات دوماً ما تخضع لظروف بيئية واجتماعية وسياسية، وتحكمها توازنات وتفاهمات إقليمية وأخرى دولية، وأي وقوف عند تلك التفاصيل كفيل بأن يثير الخلاف ويعزز الانقسام بين الناس في مواقفهم إزاء بديهيات إنسانية ما كانوا ليختلفوا حولها لو أنهم اكتفوا بأن يناصروا قضية حق عادلة دون خوض في تفاصيلها.