هل تخلت روسيا عن الأسد؟

أ.مصطفى المصطفى

 

اعتمادا على جذاذات الأدلة يجترح بعض المحللين السياسيين أفكارا توحي للمستمع أو القارئ أن روسيا تخلت عن الأسد، أو أن روسيا تبحث عمن يضمن مصالحها في سوريا لكي تتخلى عن الأسد.

    المعطيات والمعلومات الموثوقة تقول: حتى الآن لا توجد أية أدلة حقيقية توحي بأن روسيا قد فكرت ولو مجرد تفكير بالتخلي عن الأسد، ولمعرفة موقف روسيا من النظام السوري يجب الابتعاد عن التفكير الضيق والسطحي، فالمشروع الروسي في سوريا لا علاقة له بمصالحها في سوريا، فهذه المصالح يمكنها أن تضمنها بكل سهولة، وأغلب الظن أنه حتى المعارضة السورية مستعدة لتقديم الضمانات بذلك مقابل تخلي روسيا عن النظام السوري.

    تحدث بعض المعارضين السوريين عن بعض ما كان يدور بينهم وبين المسؤولين الروس في أثناء لقاءاتهم وذكر أحدهم أن مسؤولا روسيا كان يعرض عليه الرهان على أن الأسد باق، وأغلب الظن أن الساسة الروس ينظرون إلى فكرة التخلي عن رأس النظام على أنها تعتبر بمثابة الهزيمة، فالروس متمسكون برأس النظام من أجل تكريس أطروحتهم أو عقيدتهم الفكرية الجديدة والتي تسمى “العقيدة النظامية” في مواجهة أيديولوجيا العولمة، والعقيدة الليبرالية التي يحاول الغرب تعميمها، وهم وجدوا في سوريا البوابة التي يجب العبور من خلالها لإقناع العالم أن روسيا عادت إلى الساحة الدولية بقوة.

    تقوم العقيدة النظامية على عدة مرتكزات فكرية، أهمها: أولوية الاستقرار على الديمقراطية، ومعادة الانفتاح الفكري غير المحدود، والانحياز الأيديولوجي للقانون الدولي، فنظام العولمة يرى أن حل المشكلات العالمية في الوقت الراهن يجب أن يتم على أساس التضامن الدولي حول العقيدة الليبرالية السائدة وليس على أساس نصوص القانون الدولي، وهو ما يجعل تطبيق القانون الدولي مغلفا بالانحياز الأيديولوجي.

    وفي هذا السياق يرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن “عقدة المنتصر” التي اكتسبتها الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة الحرب الباردة ليست مجرد مشكلة نفسانية، فهي تتجلى بشكل متزايد في الجوانب العملية للسياسة الدولية حيث تستند أساليب حل المشاكل الدولية لا على التحليل الموضوعي للوضع، ولا على المبادئ العامة للقانون الدولي، بل على “الجدوى السياسية” بالمفهوم الخاص بالولايات المتحدة. ولذا ترى العقيدة النظامية أن القانون الدولي لا يجب أن يخضع للتصور الأيديولوجي للدول الغربية، فإذا كانت إعادة السيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم، على سبيل المثال، هي حالة عدوان بالنسبة للدول الغربية، فإن العقيدة النظامية تبرر ذلك بأنه حالة دفاع عن النفس؛ لأن التوسع الغربي استغلالا للقانون الدولي أصبح يلامس الحدود الروسية.

    إذن، فالعقيدة النظامية التي تسعى روسيا إلى تجذيرها في العلاقات الدولية الراهنة، هي الفيصل والمحدد للموقف الروسي من النظام السوري، والنظام السوري، من جهته، يعلم جيدا هذا التوجه الروسي، وأن روسيا تقاتل في سوريا لتكريس عقيدتها التي تعني في النهاية الدفاع عن نفسها، ويعلم النظام السوري أيضا أن روسيا ربطت نصرها في سوريا بالإبقاء على النظام القائم من أجل إغلاق الباب تماما في وجه أي طموح غربي لإسقاط بعض الأنظمة التي تعتبر حليف أو حليف محتمل لروسيا، ومن أجل تشجيع الأنظمة الديكتاتورية وإغوائها بزيادة التقارب مع روسيا. لذلك، فالنظام السوري لا يتجاوب مع الرؤية الروسية للحل، والتي تتضمن بعض الإصلاحات الدستورية الترقيعية التي لا تمس بنية النظام لكنها ضرورية من وجهة النظر الروسية من أجل المساعدة على إعادة تعويم النظام. أي أن روسيا ترغب ببعض الخطوات التي تضفي على مشروعها نوعا من الشرعية، والتي هي بالمحصلة: تقدم بخطوة أو خطوتين نحو الأمام.

     يُعتقد أن طبيعة الإصلاح الذي يتم الجدال حوله بين روسيا والنظام هو جوهر الخلاف بين الطرفين، فالنظام السوري كررها في أكثر من مناسبة: إن الإصلاحات يجب أن تحدث بعد أن تعود الأمور إلى طبيعتها في سوريا، بينما ترى روسيا ضرورة تقديم بعض التنازلات سلفا. ولكن مادام النظام السوري لم يصرح حتى الآن عن طبيعة هذه الإصلاحات التي ينوي القيام بها فيما لو تمكن من العودة بالبلاد إلى ما قبل العام 2011 كما يحلم. لذلك، فالتساؤل حول ما يمكن توقعه يعتبر تساؤل مشروع ويستحق التوقف عنده.

     قد لا يختلف سوريان على أن عهد بشار الأسد يختلف في بعض جوانبه عن عهد أبيه، فرغم أن الفساد تضاعف في عهده، إلا أن مستوى قمع المواطن وإرهابه قد انخفض قليلا، وهذه بالتحديد، كانت القضية التي جعلت أتباع النظام السوري يحملون المسؤولية عما حصل لرأس النظام، فنوع من هذه الملامة قد ظهر للعلن، وكثيرا ما سمعنا تصريحات البعض بأنه لو كان حافظ الأسد موجودا لما حصل ما حصل. أو أنه لو كان موجودا لكان أنهى الثورة ببضعة أيام. مثل هذا الكلام ربما كان دافعا لإثبات العكس، وهو ما ترجم من خلال الحرب الشرسة والتنكيل والقتل الجماعي للشعب السوري. يقول “آدم جونز”: “يصعب أن نجد حالة قتل جماعي في التاريخ أو في الوقت الحاضر لا يكون فيها الإذلال دافعا رئيسيا”. وعليه، فمن كان دافعه الرئيسي هو إذلال الشعب فأي نوع من الإصلاح ينتظر منه؟ لا شك أنه في هذه الحالة: العودة خطوة أو خطوتين إلى الوراء.

     إذن، فالخلاف الروسي السوري ربما ينحصر حول معنى “الأبد”. أي، الشعار الذي أطلقه النظام السوري منذ عهد حافظ الأسد وترجمه بتوريث ابنه، ومن ثم تكريس فكرة الجمهورية الوراثية، أو “الجملوكية” كما يحلو للبعض تسميتها، وهذه تحتاج، من وجهة نظر النظام السوري، العودة إلى الخلف قليلا. أما الجانب الروسي فعلى ما يبدو أنه يرى في هذا الطرح كثيرا من المغالاة والوقاحة، إذ يكفي أن يستمر بشار الأسد في الحكم حتى نهاية حياته كما هو حال بوتين.

    بالمختصر، لا يجوز التعويل كثيرا على بعض التصريحات الروسية المضللة، ولا يجوز البناء على بعض ما تنشره الصحف هنا وهناك، فالموقف الروسي مازال ثابتا لم يتزحزح تجاه النظام السوري، لكن هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن روسيا قادرة في النهاية أن تصل إلى ما تصبو إليه، وهي في الواقع وُرطت بالإشراف على دولة فاشلة تحتاج الكثير من الأموال والجهود لإنقاذها، وهو ما لا طاقة لروسيا عليه، ورغم أن روسيا لم تبد حتى الآن ملامح القبول بأنصاف الهزائم أو أنصاف الانتصارات، إلا أن ذلك قادم بكل تأكيد، طال الزمن أم قصر.